شاعر في
الذاكرة
«التائه
الغريب» جمال
الدين حمدي في
ذكراه
السابعة
لمحة عن حياته
وأدبه
ومأساته -23-
بقلم :محمد
صلاح الدين بن
حميدة
تتواصل
ظلمة الحياة
امام نظر
الشاعر
ويزداد احكام
عتمتها بغيوم
سوداء تتكاثف
وتتراكم يوما
بعد آخر فوقه
وحوله تتمسك
به اخيلة تطغى
بمرارة صورها
الطاعنة في
سويدائه كلما
بدت له اشكال
زيغ خدينته
وهي تتجنب
الطريق
السوية
مدفوعة الى
فجاج الضياع
في غفلة منه
مستغلة ثقته
غير المحدودة
فيها وحبه لها
الاكيد
الاعمى
المتشبث
بروحه حبا بدا
له انه الاكبر
فيما مر
بحياته
فأطلقها حرة
حبلها على غاربها
لا يتطرق اليه
شك في صفائها
وحسن سيرتها.
وقد اكد هذه
الثقة ما بدا
عليها من حمل
صارا يرعيانه
بالحب
والقربى
والدعاء له
بالسلامة
واحضار
مستلزمات
وجوده بينهما
في المستقبل
القريب وهما
يتراهنان
ضاحكين
سعيدين حول جنس
المولود
تظللهما في
عشهما الدافئ
فرحة الحب
الصافي حول
كأس من الشاي
او فنجان قهوة
يفوح عطرها
بينهما
يترشفانها
على مهل المحب
الوامق وهو
يصب نظره على
الحبيب
العاشق.
يتذكر
الشاعر كل
ذلك.. ويتذكر
يوم ولادة
ابنته «وفاء»
التي انارت
بولادتها
وجوده وقد ظن
انها الرباط
المقدس
الالاهي الذي
سيزيد احكام التواصل
بينه وبين من
كانت سببا في
اعلائه الى
مقام الابوة
السامي.. يا
لروعة
الذكرى!.. بل يا
لبؤسها
وشقائها!!..
هاهي
الآن ابنته
تكبر... تترعرع
في حضن غير
حضنه بعيدة
عنه كم يتمنى
الان ان يراها
يرى فلذة كبده
ويناغيها
ويضمها الى
صدره الراعف
بحنانه وبكل
رقته وعطفه ويسمعها
وهي ترد على
مناغاته
بكلمة كم تمنى
ان يسمعها من
فمها الصغير
وهي تتشبث
بالنظر اليه وهي
بين يديه:
«با....با...با...»
يتخيل صورتها
الملائكية
وهي بين ايدي
الاخرين...
يتخيلها وهي
تنظر بعينيها
البريئتين
تبحث في
الوجوه حولها
عن وجه واحد
احد يحمل لها
في قلبه النابض
ما يحمل،
لفحات من حب
حقيقي ثرّ
يهز ضلوعه
ويعذبه كلما
لمحها او
تذكرها وتفيض
عيناه بشوق
نابض ثم يندفع
برفق اليها
لضمها وحمايتها
بحنان مامثله
حنان غير حنان
الأب.. الأب المحروم
من الاقتراب
من فلذة كبده
قصرا.. في يوم
من الايام
البائسة
ينهار الشاعر
كالمطعون
متكورا على
نفسه يحاول
كفكفة اوجاعه
وهو يرى ابنته
فجأة تأخذها
اهما بيدها
وهي في طريقها
الى قضاء حاجة
لها.. فلما
شاهدت البنية
والدها تملصت
من يد امها
وجرت.. جرت
اليه بكل سرعتها
وارادتها
رافعة يديها
اليه ببراءة
الاطفال
غافلة عما
يمكن ان
يلقاها من
مفاجآت الطريق
لا يهمها الا
ان عليه على
ابيها بشوقها
وحنينها وبكل
قوتها
واندفاعها
الفطري..
وصف
الشاعر هذا
اللقاء فقال
تحت عنوان
«دموع وفاء» مع
التصدير
التالي:
«التقيت بها،
بابنتي «وفاء»
ذات مساء اصفر
شاحب، ولم
ترحم نحولي.
فارتمت عليّ
تقبلني ...تقول:
لم تسكني بصدرك
مثلما اسكنت
امي اللعينة
قبل ان أولد
وكما تسكن كل
الاطفال في
سني... عندما
تلتقي نظراتك
المبهمة
الرصينة
بنظراتهم ...
وبكت ابنتي..
بكت وفاء..»
-جمال- (1)
في
دروبي ما بين
كأسي ودمعي
وشجوني
وذكريات خوالي
يفقأ
الله اعينا
ابصرتني.. يا
ليالي... رحماك
بي يا ليالي
انه
الصمت خاط مني
شفاهي... يا
شفاهي اماتك
اليوم حرف
والأماني
زوارق
متعبات...
ووجودي بحيرة
ستجف
وفؤادي..
اعصاب
قلبي..معان
تحسّر الحرف
في شفاه تموت
أينه
الصوت..؟ غاض
في قعر صدر
حوّق العمر
سله الممقوت
ابنتي
يا «وفاء» يا
سعلة المصدور
في أذن آخر يتمزق
لا
تملّي سواد
ليلي.. فليلي
جعل العمر في
دموعك يغرق (2)
رآها..
رأى ابنته
«وفاء» تندفع
اليه بكليتها
وبراءتها
فماتت
الكلمات على
شفتيه وتفجرت
عيناه دموعا
مدرارة واكفة
تحركت بشجونه
البائسة
وذكرياته كل
ذكرياته،
شريط متصل
الحلقات، ذكريات
مرة هزته وهزت
سواكنه فصاح
من المه
يسترحم
الايام ان تكف
عن ايلامه فقد
طفح كأسه بما
يكفي
لانهياره
وسقوطه بين
زوارق امانيه المتعبة
المعطلة في
بحيرة جفت
مياهها فتعطلت
عاجزة عن
الحركة لانفع
منها ولا رجاء
فيها..
نظر
الى ابنته
ينضح شوقه
اليها مع
دموعه الصبيبة
وهو يقبلها
بصمت في
البداية ثم لم
يلبث ان ارتفع
صوته معتذرا
لها عما
اصابها من بؤس
وشقاء لم يكن
متسببا فيهما
وانما امها هي
من كانت سببا
في مأساته
ومأساتها
وبؤسهما المتواصل
معا...، امها من
أطفأت فيه
جذوة الحب
وعلمته ان
يكره وان لا
يخفق قلبه مرة
اخرى بشوق ولا
بحب ولا
بعاطفة نبيلة
تشبه او تقترب
من رقة الحب
يوما..
اعذريني
ان قلت انا
انتهينا.. لم
تعد أمك اللئيمة
أما
اطفأت
في جذوتي..
علمتني انني
لن اعود للحب
يوما!..
والعيون
التي اسى
جوفتها لعنة
الله عندما ابصرتني
سوف
لا تلتقي مع
النور الا
عندما تعرف
التي قتلتني (3)
آه
يا بنيّتي
البريئة أمك
من سعت في شقائي
وبالتالي
شقائك انت
ايضا ففرقتنا
اذ كانت ظمأى
فاذابت احداق
عيني دموعا
حارة لترتوي
منهما مما
دفعني صاغرا
انا الآخر ان
اشرب ولكن من
دماء قلبي
الذي طعنته في
غفلة مني ومن دماء
شرفي الذي
تسرب مسفوكا
بين الحواري
والغرف
الضيقة
والأسرّة
المأفونة:
وأذابت
احداق عيني
دموعا، فهي
ظمأى ارتوت
بضوء عيوني
وأنا
مثلها اعيش
الليالي
احتسي من دماء
قلبي الطعين
والدروب
التي اليها
انتهينا
كالمسامير
صخرها يا
«وفاء»
مزق
النعل.. لم يعد
لي نعل...
وحياتي
تلوكها الكبرياء..
(4)
آه
يا بنيتي
الصغيرة كيف
سأواصل
الطريق في الحياة
والطريق وعرة
المسالك
مسمارية
الصخر ولا نعل
لي يحمي قدميّ
من النيوب
المسنونة
فيها
وكبريائي لن تسمح
لي باستجداء
العطف من
الآخرين، ولا
حلّ لي الآن
الا ان أتوقف
عن السير... ان
اوقف بيديّ نبض
الحياة فيّ
فقد جرّبت
الحياة فلم
ألق فيها الا
العذاب
والخوف. وهذه
انت امامي بعيدة
عني وهي مصيبة
اضيفت الى
مصائبي
الكثيرة...
هي
ذي قوة بداخل
روحي.. لن أتم
المسير فالدرب
وعر
ذاك
أنّي سبرت عمق
الليالي، ولياليّ
سخريات وذعر (5)
انا
حزين يا بنيتي
من اجلك... لمن سأتركك
بعدي؟.. من سيحميك
من غائلة الايام؟
اني لاسمع صراخك
في يقظتي، واسمع
صراخك في نومي
فيهزني الصدى الى
بعيد فأنهض لأذبّ
عنك الأذى المحيق
بك والمتربص للانقضاض
عليك في كل لحظة
لكن ما اعجزني
عن الرد وانا ذلك
الطيف الشرود ذلك
الطيف التعس بآلامه
ومحنه المكبل بالويلات
والحسرات وليس
لي من حيلة للخروج
من هذه البؤرات
يا (وفاء) يا بنيتي
لأني شرود وسأبقى
ذلك الشرود طول
حياتي وهذا مما
يضاعف بؤسي وتعاستي..
وبسمعي
صدى صراخك ... ويلي
من مآلي.. يا ويلتي
من مآلي
انني
يا «وفاء» طيف شرود
وسأبقى الشرود
طول الليالي (6)
وتبارحه
ابنته الى غايتها
مع امها ويبقى
(التائه الغريب)
مسمّرا بمكانه
لا يبرحه يتابعهما
بنظره المكسوف
المكسور بدموعه
الى ان غابا عن
نظره ولكنهما ما
غابا عن خياله
وقلبه واحساسه
فطفق يتمتم بلسانه
غير واع بقوله
وهو في فترة انهيار
قصوى : يتمنى ان
يعفو عن هذه الآثمة
في سبيل عودة ابنته
اليه للعيش في
حضنه قريبة منه
فقال موجها الى
المرأة التي كانت
زوجته حبيبته يوما
: (عودي الى البيت..
عودي فلم يعد لي
صبر على بعاد ابنتي
عني)
اذكري
اننا التقينا ظماء..
وافترقنا اذ التقينا...
فعودي
ابنتي
ما تزال جرحا بقلبي
... ابنتي ما تزال
ملء وجودي
سائليها...
لا تخجلي .. اي شيء
اطفأ الشمس في
ضحى يوم عيدي؟؟
واذكري
اننا التقينا ظماء..
وافترقنا اذ التقينا
فعودي (7)
وبقي
ذلك في حدود التمني
ولم يراجعها في
العودة اليه مع
طفلتها لانه كلما
فكر في ذلك رفقا
بالصغيرة البائسة
تمسك به جنون ابائه
ان يلغ في اناء
ولغ فيه غيره - حسب
اعتقاده - ومضى
متشبثا بمبادئه
الراسخة ان لا
عودة اليها ولكن
حبذا لو يحضن بنفسه
ابنته وهو ما لم
تسمح به الأم فمضى
ملوعا وقد زادت
جراحه جراحا اخرى
فوق جراحه التي
لم تندمل بعد..
- يتبع -
هوامش
سواحل
مهجورة 1-2-3-4-5-6 (دموع
وفاء) ص34
نفس
المصدر -7- (سيل الطين)
ص66